عيش اللحظة

الجملة السابقة ليست فقط من أشهر دعايات شركات المشروبات الغازية  ولكن هي خلاصة تجربة برفيسور علم النفس رام داس الذي استقال من جامعة هارفرد وذهب للهند لفترة من الزمن وبعد عودته ألف كتاب عنوانه كن هنا الآن

” be here now”

الكتاب يوضح ان السبب الرئيسي للسعادة هو التوقف عن التفكير الزائد بالمستقبل وعيش اللحظة

 عيش اللحظة او الحاضر هي عملية صعبة جدا كما هو الحال لكل شخص جرب عملية التأمل

meditation

وكذلك خلال الصلاة حيث ان أحد أهداف العبادة هو التركيز باللحظة من خلال الاتصال بالخالق عز وجل ولكن يظل اغلب الناس يفكرون ماذا سيفعلون بعد الصلاة

اكتشف العلماء ان الجزء العلوي من الدماغ ويسمي الفص الأمامي

frontal lobe

 هو المسئول عن عملية التخطيط والقلق والرابط بينهما هو التفكير بالمستقبل

نخطط للاستعداد للقادم ونقلق بسبب عدم وضوحه والأشخاص الذين لديهم إصابات بالفص الأمامي لا يستطيعون التخطيط للمستقبل ولا يشعرون بالقلق

التفكير بالمستقبل يحدث بشكل تلقائي وبدون جهد من الانسان، عند سؤال الناس هل افكارهم عن الماضي، ام الحاضر اوالمستقبل، اغلب الناس أجابوا بان المستقبل هو أكثر ما يشغل تفكيرهم

عندما قام العلماء بتعداد الأشياء التي تستحوذ على تفكير الأشخاص اليومي اتضح ان حوالي 15% منها عن المستقبل ، مما  يعني من كل 8 ساعات تفكير نقضي ساعة واحدة بالتفكير عن المستقبل

لماذا لا نستطيع ان نكون هنا الآن ؟

لماذا يجعلنا الدماغ نفكر بالمستقبل مع ان هناك الكثير من الأشياء الحاضرة  التي تحتاج تفكيرنا وتركيزنا عليها الان

الإجابة المنطقية هي ان التفكير بالمستقبل من الممكن ان يكون احد متع الحياة ، نفكر بالنجاح من الجامعة،  نفكر بالرجوع لأرض الوطن بعد الغربة، نفكر بالإجازة القادمة، نفكر بالحصول على الوظيفة والترقية

التفكير السعيد بالمستقبل هو ما يجعلنا نستطيع ان نتغلب على رتابة الحاضر

 اثبتت عدة دراسات انه عند تفكير الناس بالمستقبل، اغلب تلك التصورات تضمنت النجاحات بدلا من الفشل

مجرد التفكير بتلك الاحتمالات هو متعة بحد ذاته لدرجة ان بعض الناس يريد ان يطيل مدة تلك الأفكار

في احدى التجارب تم اخبار المشاركين انهم ربحوا عشاء بمطعم  فاخر وكان لهم الخيار بتحديد الموعد، اما الآن او غدا او بعد أسبوع

مع ان عرض العشاء كان مغري للحصول عليه بأقرب فرصة، اغلب المشاركين قرروا تأجيله للأسبوع القادم. لماذا ؟ لان مجرد التفكير  بحصوله بالمستقبل يجعل الشخص يستمتع أكثر بالانتظار للحصول على شي يريده

تخيل حدوث كثير من الأشياء يكون اكثر متعة من حصولها  حقيقة، كثير منا كان بانتظار تلك الإجازة ولكن بعد حصولها اكتشفنا بان خيال الانتظار كان اجمل من الحقيقة

نريد ان نجعل الغد أفضل ومن يستطيع ان يلومنا

نجمع صور الذكريات السعيدة مثل الأعياد والأفراح والإجازات بدلا من صور الحوادث وزيارات المستشفيات وغرف الطوارئ لأننا نريد ان نكون سعداء عند التفكير بالماضي فنقوم بالمثل عند التفكير بالمستقبل

مع ان التفكير بالمستقبل يجعلنا سعداء، الا انه في بعض الأحيان يكون له عواقب وخيمة

عندما نتخيل بسهولة حصول حدث سعيد بالمستقبل، نبالغ في إمكانية  توقع حدوثه بشكل كبير ، وحيث اننا نقوم بالتفكير بحصول الأحداث السعيدة بشكل اكثر من الأحداث السيئة، نتوقع حصولها بشكل مبالغ فيه مما يجعلنا متفائلين بشكل غير واقعي بالمستقبل

على سبيل المثال، اغلب الناس يتوقعون ان يعيشوا لفترة أطول مع ان نمط حياتهم غير مثالي ، اغلب الناس يتوقعون ان  تستمر زيجاتهم للأبد  علما بان أكثر من نصف حالات الزواج تنتهى بالطلاق ، اغلب الناس يتوقعون ان لا يعانوا من أمراض بالمستقبل مع ان حالات الأمراض تزداد بشكل كبير بسبب الأكل الغير صحي وغيرها من العادات السيئة ، اغلب الناس يتوقعون ان لا يحدث لهم حادث سير مع انهم يقودون مركباتهم بشكل متهور، اغلب رياديون الاعمال يتوقعون ان تنجح مشاريعهم علما بان اغلب تلك المشاريع تفشل خلال اول عامين

بشكل مختصر، اغلب الناس يتوقعون ان يكون مستقبلهم نسخة أفضل من حاضرهم ومن لا يريد ذلك ! ولكن الحياة لا تسير على ذلك الحال

بالطبع التفكير بالمستقبل ليس كله عالم وردي، حيث ان  بعض تلك الأفكار غير سعيدة وتسبب القلق  لدى بعض الناس

بالطريق للمطار نتخيل ان تفوتنا الرحلة ولا نحضر اجتماع عمل ضروري، بالطريق للمستشفى نتخيل ان يناقش الطبيب معنا خيارات العلاج الكيماوي بعد الكشف على الأشعة الخاصة بِنَا

لماذا يتكبد العقل البشري كل ذاك الجهد لرسم سيناريو مستقبلي سيّء

:لسببين

الأول : توقع الأحداث السيئة يخفف من وقع حدوثها، على سبيل المثال، تم عمل تجربة ب صعق المشاركين ب 20 ضربة كهربائية مع التحذير قبل كل صعقة  ب 3 ثواني

وتم تقسيم المشاركين الى مجموعتين. المجموعة الاولى يمكن تسميتها ب المجموعة ذات الصعق العالي حيث تلقت 20 صعقة عالية بشكل ثابت. المجموعة الثانية ويمكن تسميتها بالمجموعة ذات الصعق المنخفض حيث تلقت 3 صعقات عالية ومن ثم عدة صعقات منخفضة وبعدها صعقات عالية بشكل متفاوت

المجموعة الثانية تلقت صعقات عالية اقل ولكن إحساسها بالالم كان اعلى حيث ان التفاوت بدرجة الصعقات لم يجعلها تتوقعها وبالتالي كان وقعها اكبر

السبب الثاني للتشاؤم وتوقع حدوث الأشياء السيئة هو ان تخيلها يكون دافع للعمل من اجل تفاديها

الخوف والقلق من الأحداث الدرامية المستقبلة يلعب دورا أساسيا لدفعنا لعمل الشي الصحيح

نخوف ابناءنا من الرسوب بالمدرسة وذلك من اجل بذل جهد مضاعف بالدراسة وكذلك نخاف من حصول حادث سير اذا قدنا بسرعات عالية وبالتالي نخفض سرعات مركباتنا

توقع المستقبل

forecast

في احيان كثيرة يصبح تخويف من المستقبل

 fearcast

حيث تكون طريقة فعالة لجعلنا نبذل جهد  مضاعف لتلافي المستقبل المخيف

الان لنرجع خطوتين للخلف ونسأل لماذا نتخيل المستقبل بشقيه الحلو والمر ؟ لماذا لا نستطيع ان نكون هنا الان

السبب الرئيسي هو حاجة الانسان بالتحكم بالاحداث

control

والرغبة بان يكون عنصر مؤثر في رسم الأحداث، تغييرها والتأثير عليها

الانسان منذ قدومه للحياة وحتى مغادرتها يكون لديه شغف ورغبة بالتحكم بالاحداث  وعند فقدانها لأي لحظة يشعر بعدم السعادة وفقدان الأمل ومن ثم الاكتئاب

تم عمل تجربة بأحد دور رعاية كبار السن  حيث تم وضع نباتات بغرفهم وتم تقسيمهم الى  مجموعتين أحدها كان كبار السن أنفسهم مسئولين عن رعاية وسقي النباتات ( مجموعة التحكم العالية) والأخرى يوجد شخص من العاملين بالدار يكون مسئول عن رعاية وسقي النباتات( مجموعة التحكم المنخفض). بعد ستة أشهر 30% من مجموعة التحكم المنخفض ماتوا مقابل 15% فقط من مجموعة التحكم العالية

التفكير بالمستقبل ضروري ولكن التوكل على الله والاستماع باللحظة أهم

محمد العدالة

سيدني

      2017  ٢٤ فبراير

رأي واحد حول “عيش اللحظة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s