لعبة الإنذار الأخير

Fairness and effort

السعر العادل والجهد المبذول

في أحد الأيام عند عودتي لمنزلي أكتشفت أنني أقفلت الشقة ونسيت المفاتيح بالداخل. اتصلت على فاتح الأقفال أو ما يسمى ب “Locksmith ” لفتح الباب ونظرا لان الوقت كان خارج أوقات الدوام الرسمي ٩-٥ مساء أبلغنني بأن السعر مضاعف وسوف تكون التكلفة وبمبلغ ٢٥٠ دولار.

بناء على السعر المطلوب توقعت ان تستغرق العملية منه على الأقل نصف ساعة ان لم يكن أكثر، ولكن عندما وصل للموقع لم تأخذ من وقته أكثر من دقيقين!

تضايقت وقتها وشعرت بان السعر كان مبالغ فيه !

ماذا تعتقد انها صفقة جيدة، فاتح أقفال يفتح الباب المغلق خلال دقيقتين وحسابه ٢٥٠ دولار أو آخر يستغرق ساعة وحسابه ٢٥٠ دولار ؟

أغلب الناس يعتقدون ان الذي يستغرق وقت أطول أفضل لانه بذل جهد أكبر و حسابه بالساعة أقل علما بانه ضيع ساعة من وقتنا الثمين !

الأول حسابه بالساعة ٧٥٠٠ دولار والثاني ٢٥٠ دولار

السعر الذي ندفعه بأي شي يعتمد بشكل كبير على تقديرنا وتقييمنا لما هو عادل.

نظريا بعلم الاقتصاد تقارن القيمة المرجوة “value ” بالسعر “price” المقبول، ولكن نحن البشر غير منطقيين دائما و ندخل عوامل أخرى بالتقييم مثل تقديرنا لما هو عادل.

القيمة العائدة علينا من فتح الباب المغلق من المفترض ان لا علاقة لها بتقييمنا بما هو سعر عادل, المهم فقط بان يتم إنجاز العمل بسرعة وكفاءة عالية سواء استغرق دقيقتين أو ساعة . على الرغم من ذلك، نتضايق ونشعر باننا دفعنا سعر مرتفع لما يظهر بانه سهل و استغرق وقت قليل.

هناك تجربة معروفة بعلم الاقتصاد تعرف ب لعبة الإنذار الأخير أو ” The ultimatum game ”

تظهر باننا على استعداد لمعاقبة الآخر وأنفسنا عند إحساسنا بعدم العدل أو الغبن.

التجربة بشكل مبسط تشمل شخصين – أحدهما يعطى والأخر يأخذ، كل منهما يجلس في غرفة منفصلة، ولا يعرف أحدهما الاخر ولن يتقابلا بعد انتهاء التجربة مما يعنى انه لا مجال للانتقام او الملامة.

الشخص الأول يعطى ١٠ دولار ويجب عليه اقتسامه مع الشخص الاخر وله حرية الاختيار كم يعطى من المبلغ وكم يحتفظ لنفسه. بامكانه الاختيار بين إعطاء ١، ٣.٥، او ٥ دولار . اذا وافق الشخص الاخر على القسمة احتفظ كلا منهما بالمبلغ وانتهت التجربة، واذا لم يوافق خرجا بخفي حنين. كلاهما يعرفون شروط اللعبة.

منطقيا اي مبلغ أكثر من صفر يعتبر مكسب للشخص الاخر و من المفترض ان يوافق عليه حيث انه افضل من لا شي. ولكن ذلك ليس ما يفعله أغلب المشاركين، حيث ان الأشخاص المستقبلين للمال عادة ما يرفضون أي مبلغ غير عادل بنظرهم. عندما يعطى الشخص الاول أي مبلغ أقل من الثلث( ٣ دولار ) بالغالب الشخص الاخر يرفض العرض ولا يحصل أي منهما على المال.

ولكن كيف نحدد السعر العادل ؟

بالغالب نقدر الجهد المبذول لتقديم الخدمة أو المنتج وبناء عليه نصل لسعر عادل.

جهد لمدة ساعة يستحق مبلغ أكثر من جهد دقيقتين.

السؤال في حالة فتح الباب يجب ان يكون (ما قيمة فتح الباب لك في تلك اللحظة ؟ ) ولكن لصعوبة تحديد سعر للإجابة على ذلك السؤال، نجاوب على سؤال أسهل وهو ( كم الجهد المبذول لفتح الباب؟)

نحن هنا نركز على الجهد والوقت وننسى الكفاءة والخبرة.

في احد التجارب أجاب اغلب المشاركين بانهم على استعداد لدفع مبلغ أكثر كلما زادت كمية المعلومات المستردة من قرص تخزين خارجي (Hard disk) عطلان. ولكن ابدوا حساسية أكثر فيما يخص الوقت، كلما استغرق وقت الفني زمن أقل قل استعداهم للدفع، وكلما زاد الوقت زاد استعدادهم لدفع مبلغ أكثر.

فكر للحظة، كان لديهم استعداد لدفع مبلغ أكثر لخدمة تستغرق وقت أطول بنفس النتيجة أو المخرجات. غير منطقي !

يحكى ان أمرأة جاءت الى بيكاسو اثناء تجوله باحد الحدائق وطلبت منه رسمها، نظر اليها لوهلة ومن ثم رسمها بدقة عالية. أعجبت بالرسمة وسألته كم تكلفتها، أجاب: خمسة آلاف دولار . تعجبت وقالت لماذا السعر مرتفع رغم انها لم تأخذ من وقتك سوى دقائق معدودة ! أجاب بانها أستغرقت كل عمره ودقائق معدودة.

هنا التخصص والخبرة والمعرفة صنعت الفارق.

على الرغم من ذلك نتجاهل كل ذلك عندما نقدر الجهد المبذول فقط. لا نقدر سنين التجربة والخبرة والمهارة.

لذلك بيوت الخبرة و الشركات الاستشارية مثل شركة ماكينزي تتقاضي أجور باهظة و يعترض عليها أغلب الناس حيث انها تصل لحلول ومقترحات في فترات تعتبر وجيزة.

علاوة على ذلك، ليس فقط كل جهد مبذول ولكن يجب ان يكون واضح للعيان “transparent effort “. ليس الجهد الموضوعي ولكن الجهد الواضح.

لذلك أغلب شركات المحاماة تتقاضى بالساعة حيث اننا لا نعلم كم ساعة عمل استغرق حتى وصلوا لصياغة العقد أو لائحة الادعاء. بالفاتورة نرى ساعات عمل كثيرة مما يعنى جهد أكثر.

لو ان صانع الأقفال حاول إظهار الجهد المبذول بشكل واضح من خلال شرح كيفية صناعة القفل وسنين العمل و الخبرة التى مكنته من فتح الباب بسهولة وعدد الاقفال التى سبق له فتحها ، لربما جعل السعر يبدو عادل و كنت على استعداد لدفع مبلغ أكثر برضى و راحة بال !

كتابة هذا المقال استغرقت مني جهد شاق لبحث مئات المصادر وقراءة وتلخيص عشرات الكتب ؛)

د. محمد العدالة

الرياض

٢٩ سبتمبر ٢٠١٨

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s